الأحد، 30 أغسطس 2026

كيف يشعر الملحد -والعياذ بالله- ؟

قرأت عمل سيمون دو بوفوار (1986م) المسمى بـ "مذكرات فتاة ملتزمة"، كان من أنفس الأعمال التي قرأتها، رواية عميقة تغوص في أغوار المشاعر وتُخرج مكنوناتٍ نادرًا ما نجد من يجترئ على التصريح بها.
ومن أهمها وأبرزها، موضوع الإلحاد وفقدان الإيمان وما ينطوي عليه.

كانت سيمون في مستهل حياتها، طفلة على فطرتها تؤمن بوجود الله، تهيم في أرضه متأملة في مخلوقاته سابحة في ملكوت عظمته، وقد وصفت تلك الحالة الإيمانية في بديع الصور -بغض النظر عن بطلان بعضها- ومن ذلك قولها:

وأي عزاء كنت أستشعره إذ أعرف أنه هناك في البعيد! لقد قالوا لي إنه يحب كل مخلوق من مخلوقاته كما لو أنه كان فريدًا. ولم يكن نظره يتركني لحظة، وكان الجميع مبعدين عن لقائنا، كنت أمحوهم فلا يبقى في العالم غيره وغيري، فأشعر أني ضرورية لمجده، وأن وجودي ذو ثمن لا يُقدّر. وما كان ليترك شيئًا من أعمالي وأفكاري ومزاياي، التي كانت تستكن فيه، وكذلك نقائصي وهواني، ولكن هذه النقائص كانت تغتسل بندمي وطيبته حتى لتغدو في مثل إشراق فضائلي. ولم أكن أمل الإعجاب بنفسي لدى هذه المرآة التي لا بداية لها ولا نهاية. وكنت كل سنة أختار يومًا أعتزل فيه الناس لأنصت إلى توجيهات أحد الوعاظ وأتأمل وأزور الكنائس. وكانت أمي تحترم عزلتي وانطوائي على نفسي، حيث كنت أسجل على أحد الدفاتر تأملات روحي وأماني في التقرب إلى الله، حتى أني عزمت على أن أدخل الدير لأتأمل طوال الوقت في مجد الإله.

ثم في موضع آخر تقول:

كنت أقضي معظم أيامي هناك في القراءة، وكان أكثر أوقاتي متعة أن أنهض باكرًا في الصباح فأفاجئ البراري تستيقظ، بعد أن أغادر البيت النائم، والكتاب في يدي. ولما كان يستحيل علي أن أجلس فوق العشب الندي، فقد كنت أسير وأنا أقرأ، فأحس رطوبة الهواء على جلدي، وأشعر بطبقة الجليد الرقيقة تذوب تحت قدمي، وأرى الأرز يلتمع بإشراق يشبه إشراق أول صباح في الجنة، ولقد كنت وحدي أحمل جمال العالم، تمجيدًا لله، بينما تحلم معدتي بقطعتين من الشوكولا والخبز المحمص. وحين يبدأ النحل في الطنين، وتنفتح المصاريع الزرقاء على عطر العشب المندى، أكون قد شاطرت ذلك النهار الذي يطلع على الآخرين، ماضيًا طويلًا ذا أسرار. حتى إذا عدت إلى البيت وتناولت طعام الفطور، جلست أكتب «فروض العطلة»، وأنا أصغي إلى نقاش جدي وأبي وعمي وضحكهم وغنائهم أحيانًا. ثم إني كنت أصطحب أختي للتنزه والشيطنة في تلك البراري، نكتشف المستنقعات والشلالات ونتسلق الأشجار والصخور، ونسرق الجوز واللوز، ونتذوّق تفاح جميع الشجيرات. وكان يسكرنا أريج الأعشاب والسنابل الخضراء فنتمدد على الأرض ونأخذ في القراءة. وبالرغم من أن حضور أختي كان خفيفًا علي، فقد كنت أوثر الوحدة ولا سيما في أثناء الليل... لقد كان يخيل إليَّ أن الأرض تعيد صدى الصوت الذي لا يفتأ يهمس لي: إنني هنا، فيرتعش قلبي بحرارته الحية إذ أنظر إلى النجوم، هناك، في الأعالي، كان الله ينظر إلي.. وقد كان هذا الفرح في دمي -بعد أن لامسني النسيم وأسكرتني العطور- يمنحني الخلود.

وقد ذكرت في إحدى لحظاتها الإيمانية حقيقة أبهرتني، حيث قالت:

لقد كان الإيمان حارساً لي من النار، وكنت أخشى النار خشية لا أستطيع معها أن أرتكب إثماً مميتًا. وإذا كفّ أحدنا عن الإيمان، انفتحت أمامه جميع الهوى.

وما آلمني بشدة، أنها عندما وصلت إلى سن الاختيار، ألحدت.
وبعد أن اعترفت بإلحادها، أخذت صفحات كتابها تمتلئ بمشاعرها العميقة المؤلمة، وأراك تتساءل؛ لماذا ألحدت؟ طالما أنها تذوقت لذة الإيمان؟ فانظر معي أين ابتدأت شكوكها لتفهم:

كنتُ قد اعتدت منذ سن السابعة أن أعترف مرتين في الشهر أمام الأب مارتان، فكنت أحدثه عن حالاتي النفسية، وأتهم نفسي بأني قد تناولت القربان من غير حماسة، وأنّي تلوت صلواتي من أطراف شفتي، ونادرًا ما فكرت بالله. وكان يجيب على هذه الاعترافات بعظة ذات أسلوب رفيع. ولكنه ذات يوم أخذ يحدثني بلهجة مألوفة، بدلًا من أن يتقيد بطقوسه المعهودة. قال: «لقد بلغ سمعي أن صغيرتي (سيمون) قد تغيرت فغدت غير مطيعة عفريتة، تجيب حين يوبخها أهلها، ولا بد من الانتباه إلى هذه القضايا بعد الآن!».
التهبت وجنتاي، وأخذت أنظر بذعر إلى الدجال الذي كنت أعتبره طوال سنوات، ممثل الإله، فإذا ثوبه الكهنوتي ليس إلا رداء تنكريًا، فتركت كرسي الاعتراف، ورأسي يشتعل نارًا، عازمة على ألا أعود إليه أبدًا. وحين كنت أرى في الممر جبته السوداء، بعد ذلك، كان قلبي يخفق فأفرّ منه. ومنذ ذلك اليوم تمت القطيعة بيننا.
ولكن الله خرج من هذه التجربة دون أن يُمس، إذ إني رحت أفتش عن كاهن آخر لا يفسد بالكلمات البشرية المدنسة قدسية الرسالات التي ترد من فوق، وجربت كاهناً أحمر الشعر، ثم جربت آخر أسمر نجحت في أن أجعله يهتم بحالتي الروحية.. ولكن تبين لي آخر المطاف أنه لم يكن هناك إنسان واحد يجسد الله حقًا، وأني كنت وحدي تجاهه، وأنه بقي في أعماق قلبي حيرة وقلق: من عساه يكون؟

وهذا بالضبط مصير الأديان المحرفة.. لا شيء يقنع معتنقيها.. لا يمكن لبطلانها أن يلج عقولهم.. ولا يجدون فيها ما يروي ظمأ أرواحهم.
صديقتها المقربة "زازا" مؤمنة بحق، إلا أنها ورغم قوة إيمانها أقرّت في رسالة لها تقول:

حين كنت أقارن بين الإيمان وطقوس طفولتى والعقيدة الكاثوليكية، وبين جميع أفكاري الدينية، كنت أجد عدم توافق كبير كان يؤدي بي إلى نوع غريب من الدوار... وأنا مؤمنة بالقلب أكثر مما أنا مؤمنة بالعقل، كما كان شأني في السادسة من عمري. وأعتقد خصوصًا أن الله غير مفهوم منا تمامًا، وأن الإيمان الذى يهبنا إياه هو هبة فوق الطبيعة، هو نعمة من عنده. ومن أجل هذا لا أستطيع إلا أن أرثي من كل قلبي لأولئك الذين حرموا هذه النعمة، وأعتقد أنهم إذا كانوا صادقين، ومتعطشين إلى الحقيقة، فسوف تنكشف لهم هذه الحقيقة عاجلًا أو آجلًا. والحق أن الإيمان لا ينقع الظمأ، فيستوي في الصعوبة إدراك أمن القلب حين يؤمن المرء وحين لا يؤمن. كل ما هناك أنه يأمل إدراك ذلك في حياة أخرى.

ثم إن أحد أهم أسباب إلحاد (سيمون) كان عدم إيمان والدها بالأساس، على الرغم من أن أمها كانت مؤمنة تقية، إلا أن تأثير والدها عليها كان أقوى؛ لإعجابها بشخصيته، وقد ذكرت في أحد المواضع تقول:

كان تشكك أبي قد مهد لي الطريق، فلم أرتم وحدي في مغامرة خطرة، بل لقد أحسسن عزاءً كبيرًا في أن أجدني، وقد تحررت من طفولتي ومن جنسي، متفقة مع الأفكار الحرة التي كنت أعجب بها.

كما أوضحت في موضعٍ آخر أحد أسباب إلحادها، وهو ضعف المنتسبين إلى الدين مما يُشكك في صحته:

لم يكن أبي من المؤمنين غير المتشككين، وكان خير المفكرين يشاطرونه تشككه، وأن الذين يقصدون الكنائس هم بالإجمال من النساء، وبدأت أشعر أن من المفارقة التي تبعث على القلق والحيرة أن تكون الحقيقة من امتيازات النساء، في حين أن الرجال، من غير مناقشة ممكنة، يفوقونهن امتيازًا.

ثم إن من أقوى أسباب إلحادها كذلك، افتتانها بملذات الدنيا، ففي ذات لحظة إقرارها بإلحادها أسندت ذلك إلى حبها للدنيا بقولها:

غمست يدي في الماء، ورحت أستمع إلى خريره، وأدركت أن شيئًا لم يكن ليستطيع أن يصرفني عن المباهج الأرضية، وقلت في نفسي: "لم أعد أؤمن بالله"... لقد فكرت دائمًا بأن هذه الدنيا لا قيمة لها إزاء الآخرة الخالدة، ولكن ها هي ذي تزن الآن، ما دمت أحبها. 

كانت لحظة زهوٍ وفخر بالنسبة إليها، لكنها لم تلبث طويلًا.. فما إن ذاقت مرارة انعدام الإيمان، حتى بدأت حياتها بالتردّي إلى أسافل الشعور بالألم والوحدة والخواء:

بيد أن وجه العالم كان قد تغير تحت ناظري، فقد شعرت في الأيام التي تلت، إذ كنت جالسة تحت شجرة الصفصاف الفضي، فراغ السماء، وانتابني الضيق من هذا الشعور. لقد كنت أعيش في الماضي وسط لوحة حية اختار الله نفسه ألوانها وأضواءها، وكان كل شيء يدمدم لمجده وعظمته، وفجأة، صمت كل شيء، وأي صمت هو! لقد كانت الأرض تدور في حيز لا تنفذ منه أي عين، ووسط الأثير الأعمى، كنت وحدي تائهة على سطحها العظيم، وحيدة، لقد فهمت، وللمرة الأولى، معنى هذه الكلمة الفضيعة، وحيدة، بلا شاهد، ولا محدث، ولا من ألجأ إليه.
ثم في محاولة منها لتجد الأنس المزيف أردفت: نهضت، ورحت أعدو نحو الحديقة لأجلس بين أمي وعمتي مارغريت لشدة حاجتي إلى أن أسمع الأصوات.

كما قالت ذات مرة:

إنني وحيدة، إن الإنسان وحيد دائمًا، وسأبقى دائمًا وحيدة.

ومن آلم ما كانت تقاسيه بصمت، رعبها الشديد من فكرة الموت:

وقد حدث ذات ليلة، في لاغريير، أن أويت إلى سرير ريفي كبير، فشعرت بقلق شديد يتملكني، وكان قد اتفق لي أن أخاف من الموت حتى تنهمر دموعي وتنطلق صيحاتي، ولكن الأمر كان أسوأ، في تلك المرة. كان كل شيء يثير رعبًا وذعرًا، حتى أني ترددت في أن أذهب فأطرق باب أمي وأزعم لها أني مريضة، لا لشيء إلا لأسمع الأصوات، وقد تمكنت أخيرًا من النوم، ولكني احتفظت من هذه الأزمة بذكرى مروعة.

ثم في محاولة منها لشق طريقٍ مضيء في حياتها، حاولت مرارًا كشف أسباب وجودها، وبحث الدوافع الحقيقية لحياتها، بقولها:

كان علي أن أخدم، ولكن ماذا أخدم؟ ومن؟ لقد قرأت كثيرًا وفكرت وتعلمت وكنت أقول لنفسي إنني أصبحت غنية بفكري، وبدت لي الحياة من الامتلاء بحيث سعيت إلى أن أستعمل كل شيء فيَّ لأستجيب لنداءاتها، ولكنها كانت خلوًا في الحقيقة. كنت أحس أني أملك من القوى ما يمكنني من أن أقلب الأرض، ولكنى لم أكن أجد حصاة واحدة أحركها. كانت خيبتي شديدة... وتعلمت بألم عقم الوجود. كنت أعمل على أن تكون لي مهنة، ولكن المهنة وسيلة، ولكن نحو أية غاية؟ الزواج؟ ما الفائدة منه؟ تربية الأولاد أو تصحيح الفروض؟ إنها المهنة المملة ذاتها... ما الفائدة؟ كان الناس يستسلمون لأن يوجدوا عبثًا، أما أنا فلا. لقد كنت أريد مطلبًا لا يترك لي أن أهتم بأي شيء آخر، ولكني لم أقع على مثل هذا المطلب، حتى أنني عممت حالتي الخاصة وأنا في نفاد الصبر ذلك: لا شيء يحتاج إلي، لا شيء يحتاج إلى أحد، لأنه لا شيء بحاجة إلى أن يوجد!

بل حتى الحب الذي ناشدته طويلًا وظنت أنه سيشكل مغزًى لحياتها؛ لم تجد له لذة حين وصل إليها على طبقٍ من ذهب:

وردد هذه العبارة، وتلك البسمة، فانقطعت عن الشك. لقد كان جاك يحبني وسوف نتزوج، ولكن كان هناك شيء مبهم من دون شك: ذلك أن سعادتي لم تدم أكثر من ثلاثة أيام. لقد عاد جاك لزيارتنا فقضيت معه أمسية مرحة جدًا، وبعد ذهابه تلاشيت وأنا أقول: «إن عندي كل شيء لأكون سعيدة، ومع ذلك فأود أن أموت! إن الحياة هناك تترصدني، وهي على وشك أن تنقض علي.. إنني وحيدة، وأنا خائفة، وسأظل وحيدة أبدًا. لو كان بإمكاني أن أهرب؟ ولكن إلى أين أهرب؟ إلى أي مكان؟ حبذا لو يأخذنا زلزال مدمر.

إحدى أصدقاء (سيمون)، كانت قد جرت بينهم المحادثة التالية:
قال لي مرة من غير مرح: أترين؟ إن ما أحتاج إليه هو أن أؤمن بشيءٍ ما! 
فسألته: ألا يكفي الإنسان أن يعيش؟ 
ذلك أنني كنت أؤمن بالحياة. 
فهز رأسه وقال: ليس من السهل أن يعيش الإنسان إذا لم يكن مؤمنًا بشيء.

إذًا.. فالإيمان احتياج.. شاء المعاند أم أبى.
ثم سوف يكتشف هذا المعاند حين يجرب الإيمان بكل شيء، أنه لن يشبع جوع روحه، سوى الإيمان بالله.

وفي إحدى رحلاتها للبحث عن الطريق الصحيح أفصحت:

غير أني لمحت بعد أسبوع طريق المغامرة: المغامرة، الفرار، الرحلات الكبيرة. لعل في ذلك طريق الخلاص.

ولكن.. هيهات.. فما زال الطريق الصحيح مفقودًا بالنسبة إليها.. لم تهتدِ إليه، تتمسك بالقش.. فينفلت.

ثم أخيرًا.. أختم بأقوالها الآتية، علّها تصل إلى ملحد؛ فتكون الخيط الذي يدله إلى الإقرار بعبثية كل الطرق، سوى طريق الله:

وكنت لا أخلد إلى النوم إلا مرهقة متوترة الأعصاب. وهكذا كانت أيامي تمضي بحزن. وكنت قد مللت الكتب لأني قرأت عددًا كبيرًا منها، كانت كلها تردّد اللازمة نفسها ولم تكن لتحمل لي أملًا جديدًا.

كان معظم الكتاب يشرحون قلقنا وحيرتنا ويدعونني إلى يأسٍ بصير. ولقد دفعت هذه العدمية إلى ذروتها. كان كل دين وكل أخلاق خدعة، بما في ذلك فكرة "الأنا"، وكان أفضل موقف يتخذه المرء هو أن يحذف نفسه. ولقد كنت في الحق معجبة بتلك الانتحارات الميتافيزيقية، ولكني لم أفكر بأن الجا إليها، لأني كنت أخشى الموت أكثر مما ينبغي.

ورغم ذلك فقد كان الموت يتأكلني، وكنت أستفظعه، ولا سيما أني لم أكن أجد أسبابًا وجيهة للحياة. غير أني كنت أحب الحياة حبًا جمًا، وكان يكفيني شيء يسير ليعيد إلي ثقتي بها: رسالة من تلميذة، أو ابتسامة، أو نظرة من (زازا)، أو كلمة لطيفة. لقد كان الأفق يضيء أمامي ما إن أشعر بأني محبوبة أو نافعة، وأعود إلى التعهد بأن أكون محبوبة وضرورية ولازمة. ويوم بلغت التاسعة عشرة، كتبت في مكتبة السوربون حوارًا كان يتجاوب فيه صوتان كلاهما كان لي: كان أحدهما يتحدث عن عبث الأشياء كلها، والثاني يؤكد أن الحياة جميلة. على أن الشعور الذي طغى علي طوال الخريف والشتاء هو القلق من أن أجدني يومًا وقد قهرتني الحياة.

كانت هذه الشكوك والذبذبات تثير جنوني، وكان الضجر يخنقني وأنا أسير في شوارع باريس وقد غشى الدمع نظري... وكنت أحب أن أشعر بحرقة الدمع في عيني، ولكن جميع أسلحتي كانت تسقط من يدي أحيانًا، فآوي إلى ركن من قاعة كنيسة لأستطيع أن أبكي في سلام، وأظل منحنية ورأسي بين يدي، تضيق علي ظلمات مريرة.

بالرغم من عدم إيمانها؛ تلجأ إلى الكنيسة.. يا لمفارقة الملحد.

 لقد زهدت على التوالي بالمجد والسعادة وخدمة الناس، وهأنذا الآن لا أهتم حتى بأن أعيش. وكنت أفقد أحيانًا حس الواقع، فلا تبدو الشوارع والسيارات والمارة في نظري إلا موكبًا من المظاهر كان وجودي بينها يرفرف بلا اسم. وكان يتفق لي أن أعتبر نفسي مجنونة بلا اعتزاز، بل بخوف. والحق أن المسافة لم تكن طويلة بين وحدة قاتلة وبين الجنون. لقد كانت لي أسباب وجيهة في أن أضيع. إنني منذ عامين أتخبط في شرَكٍ لا أجد له مخرجًا... وقد ظلت يداي فارغتين، وكنت أخدع خيبتي إذ أؤكد لنفسي في وقت واحد أنني سأمتلك ذات يوم كل شيء، وأن ليس ثمة شيء يستحق أي اهتمام.. هكذا كنت أتخبط في هذه التناقضات.
لقد كفت الأرض عن أن تكون شيئاً بالنسبة إلي، وكنت خارج الحياة، بل إني لم أعد أتمنى أن أكتب، إذ عادت لاعبثية كل شيء تشد على خناقي ولكن كان حسبي ما كابدته.

وقد قالت ذات مرة:

كنت أتذكر أحيانا ان كل شيء بلا جدوى.

العبثية: اللا فائدة حقيقية مرجوة من وراء هذه الحياة، لا جنة ولا نار، لا جهاد لسلوك الطريق الصحيح، ولا مغزى من اجتناب السيئات، لا جزاء للعمل الحسن، بل لا شاهد له أصلًا! لا حساب على ظلم، ولا عوضَ قادمٌ عن ألم. هذه هي العبثية، اللا جوهر، اللا مغزى، اللا منهج، اللا جزاء. والإنسان بفطرته لا يحتمل العبثية في أي شيء.

لقد بكيت في الشتاء المنصرم أكثر مما ينبغي، واخترعت لنفسي أملًا.. ففي لحظات الانفصال الكامل الذي يبدو فيه الكون وقد تقلص إلى لعبة أوهام وانهدمت فيه "الأنا"، كان هناك شيء ما يبقى قائمًا: شيء غير قابل للانهدام، شيء خالد. ولقد بدا لي أن لا مبالاتي كانت تكشف عن حضور لم يكن من المستحيل الاندماج فيه. ولم أكن أفكر بإله المسيحيين، غير أني كنت متأثرة بالآنسة (لامبير) و(براديل) اللذين كانا يؤكدان إمكانية بلوغ الكائن. ولقد قرأت (أفلوطين) وقرأت عن علم النفس الصوفي، فجلعت أتساءل عما إذا كانت بعض التجارب قادرة، خارج حدود العقل، على أن تمنحني المطلق.
بيد أني كنت قد بدأت أضجر من نفسي، فانقطعت عن كتابة مذكراتي، وأشغلت نفسي. ووجدت تسلية في التدريس، ولكني تابعت كتابة روايتي، وكنت أذهب إلى المسرح مرة في الأسبوع مع (زازا) أو وحدي، ولكني لم أكن أتحمس لشيء بعد.


أنا في العشرين وأريد أن أعيش!... لم يكن ممكنًا أن يستمر ذلك ولم يستمر. لقد عدت إلى كتابي وإلى الفلسفة، وإلى الحب. ثم عدت إلى البدء: ذلك الصراع الذى يبدو أنه لا مخرج له أبدًا. ووعي عميق لطاقاتي وتفوقي عليهم جميعًا ولما يمكنني أن أفعل والإحساس بعدمية جميع هذه الأشياء! لا لا يمكن لذلك أن يستمر على هذا الشكل.
وكان ذلك يستمر! ولعله أن يستمر أبدًا.

وسيستمر.. طالما عُدم الإيمان.
هذا هو شعور الملحد، الذي يرى انغلاق كل شيء، ثم ما إن يفتح له بابٌ من الترويح النفسي، إلا ويجد أنه لك يكن سوى سرابًا.
تُرى، لو وصل الإسلام إلى (سيمون) ومحيطها، وعُرِّف بالطريقة الصحيحة، هل كانوا ليعتنقوه؟؟