الاثنين، 7 سبتمبر 2026

في قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب}، كيف يسكت الغضب؟

————————

ربما تكون قد تساءلت يومًا عندما مررت على هذه الآية الشريفة: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} الأعراف: 154.

أليس السكوت هو إيقاف الكلام؟ فكيف يكون الغضب كلامًا حتى يسكت؟ حقيقةً تساءلت عن ذلك مرارًا، وعندما بحثت تذوقت للآية معنًى جديدًا، فسبحان من خبأ في كتابه الكريم أسرارًا لا تنضب!

انظر لهذا المعنى العميق: عندما يدخل الغضب في الإنسان، يتحكم فيه كليًّا، فيأمر وينهى، وكل ما يأمره به ينفذه الإنسان طوعًا له حتى ولو كان في الأحوال العادية يكرهه ويجتنبه.. وبذلك؛ كان السكوت استعارة مكنية، كأن الغضب مخلوق يأمر وينهى، وعندما يجلو عن الإنسان يكون بمثابة السكوت عنه!

ومن أوامر الغضب لموسى عليه السلام كما وردت في الآيات: إلقاء ألواح التوراة، جر رأس أخيه ومعاتبته أمام الملأ..

وقد قال النبي ﷺ: [ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِمتفق عليه.

فالقوي هو من لا يتحكم به غضبه، وليس من يضرب ويشتم، فالسهل في الحقيقة هو الأخذ بالثأر وشفاء الغليل!

ولعل دعاء موسى عليه السلام كان سببًا في هدوء نفسه حين توقف عن جر أخيه وذكر ربه يدعوه بقوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأعراف: 151.

كما أجد ارتباطًا بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} الشورى: 37، فهم يتجاوزون عن أذية غيرهم طمعًا في مغفرة الله عز وجل.. وهنا نجد أن موسى عليه السلام استغفر لنفسه ولأخيه طمعًا في مغفرة الله كذلك، فهنيئًا لمن قدّم مغفرة الله على هوى نفسه!

فانظر إلى عظمة القرآن في عمق معانيه، وكيف أن لتذوقه لذة لا تضاهيها لذة.