الأحد، 20 سبتمبر 2026

عندما رأيت "من كثر كلامه كثر سقطه" في الواقع

 في إحدى المقاهي التابعة للشريك الأدبي..

جلسنا متحضرين ننتظر بدء لقاءٍ مثرٍ عن الكتب والكتابة..

وفي ظل الهدوء دخلت امرأة -خمسينية كما يظهر- تحاول التشبب في مظهرها من خلال عباءتها ومكياجها وطلاء أظافرها الخ...

وقفت أمام امرأتين وأخذت تثرثر وتضحك.. مواضيعها فارغة.. والاستماع إليها مزعج.

تخجل وأنت تراها بهذا العمر تثرثر كفتياتٍ في مرحلةٍ متوسطة.

لا أغتابها.. فلا أحد يعرفها.. ولم يحضر معي أحدٌ يومها.. إنما أريد إيضاح الصورة فقط؛ لأن انتشارها في وطننا -مهبط الوحي- وبين كبار السن خصوصًا مخجلٌ جدًا، ولعلنا نردع تلك الظاهرة المشينة ما استطعنا.

على العموم.. لكثرة كلامها لم تنتبه.. وعندما جاء النادل ليستعلم منهن عن طلباتهن.. التفتت ناحيته وقالت: هلا حبيبي!

صُدم الولد، وصُدمت النساء، فأردفت الخمسينية في فورة خجلها وتلُّون وجهها تقول: آسفة آسفة لم أنتبه، خرجت مني عفوًا! لا تتضايق، أنت في حسبة ولدي!

وأخذت تبرر وتكرر بطريقة مزعجة لتداري خجلها؛ ولكنها في الحقيقة كانت تضع نفسها في موقفٍ أتفه من سابقه!

أخذتُ أفكر وقتها.. هل لو حضرت بوقارها، وجلست بهدوءٍ في مكانها، ولم تُكثر من الثرثرة والكلام، هل كانت لتسقط سقطةً كتلك؟

وحتى لو أخطأت بكلمةٍ وكلنا خطاؤون؛ هل كانت لتحرج نفسها أمام الجميع هكذا -بحكم استعراضها سابقًا وارتفاع صوتها؟

فاللهم عافِ عقولنا..

اللهم عاف عقولنا عن السفه، وألسنتنا عن السقط.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

ألا نستحي؟

مؤلم.. محزن.. مخجل.

أن تتفكر للحظة، هذه العين، هاتان الأذنان، هاتان اليدان، تلك الأقدام، ذلك العقل.. الذي يفكر ويصوّر ويتخيّل، ذلك اللسان، ذلك الجسد الصحيح، ذلك المنزل، تلك الأموال، والعافية في الكثير والكثير من الجوانب.

كلها عطايا من الله بدون مقابل.. هل ندفع ثمنها؟ هل نقسّطها ثم إذا عجزنا عن سداد المبلغ كاملًا تُسلب منا؟

ليس شيئًا من هذا.. كلها نعمٌ بلا مقابل..

ثم نحن نستعملها فيما لا يرضيه ولا يحبه سبحانه.

تفكّر للحظة.. لو أن ربك الرحيم كان "شديد الغضب" فقط -وحاشاه-؛ ماذا كان سيفعل بك عندما تختلي لتُذنِب؟ عندما تمدُّ عينيك أو يديك إلى حرام؟ عندما تُعمل أذنيك في حرام؟ عندما تكسي جسدك -الذي سيُكسى بالكفن لاحقًا- بالحرام؟

أهكذا نعامل من يرحمنا؟ لو كان بشرًا رحيمًا لما قبلنا معاملته بذلك.. فكيف بإلهٍ عظيمٍ جبار، يرحمنا!

وصف الفيفي -حفظه الله- في كتابه الشهير تلك الحالة بوصفٍ معبِّرٍ يُنكَّس له الرأس خجلًا؛ وذلك أنك حين تُغلق عليك الباب لتعصيه.. يدخل لك الهواء من أسفل ذلك الباب لتعيش.

الله اجعلنا نعبدك بإحسانٍ كأننا نراك.

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

في قوله تعالى: {ولما سكت عن موسى الغضب}، كيف يسكت الغضب؟

————————

ربما تكون قد تساءلت يومًا عندما مررت على هذه الآية الشريفة: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} الأعراف: 154.

أليس السكوت هو إيقاف الكلام؟ فكيف يكون الغضب كلامًا حتى يسكت؟ حقيقةً تساءلت عن ذلك مرارًا، وعندما بحثت تذوقت للآية معنًى جديدًا، فسبحان من خبأ في كتابه الكريم أسرارًا لا تنضب!

انظر لهذا المعنى العميق: عندما يدخل الغضب في الإنسان، يتحكم فيه كليًّا، فيأمر وينهى، وكل ما يأمره به ينفذه الإنسان طوعًا له حتى ولو كان في الأحوال العادية يكرهه ويجتنبه.. وبذلك؛ كان السكوت استعارة مكنية، كأن الغضب مخلوق يأمر وينهى، وعندما يجلو عن الإنسان يكون بمثابة السكوت عنه!

ومن أوامر الغضب لموسى عليه السلام كما وردت في الآيات: إلقاء ألواح التوراة، جر رأس أخيه ومعاتبته أمام الملأ..

وقد قال النبي ﷺ: [ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ] متفق عليه.

فالقوي هو من لا يتحكم به غضبه، وليس من يضرب ويشتم، فالسهل في الحقيقة هو الأخذ بالثأر وشفاء الغليل!

ولعل دعاء موسى عليه السلام كان سببًا في هدوء نفسه حين توقف عن جر أخيه وذكر ربه يدعوه بقوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} الأعراف: 151.

كما أجد ارتباطًا بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} الشورى: 37، فهم يتجاوزون عن أذية غيرهم طمعًا في مغفرة الله عز وجل.. وهنا نجد أن موسى عليه السلام استغفر لنفسه ولأخيه طمعًا في مغفرة الله كذلك، فهنيئًا لمن قدّم مغفرة الله على هوى نفسه!

فانظر إلى عظمة القرآن في عمق معانيه، وكيف أن لتذوقه لذة لا تضاهيها لذة.