الثلاثاء، 21 يناير 2025

الرؤية من خلال طائرة

لطالما ركبتُ الطائرة.. ولطالما اخترت الجلوس بجانب النافذة، لأن المنظر يسحرني عندما ألتفت إليها أثناء قراءة كتبي..

لكنني ولأول مرة، أنظر بهذه الرؤية، التي صنعت بي فارقًا كبيرًا لفترة طويلة.

هذه الدنيا التي نراها كبيرة عظيمة ونحن على الأرض.. كلما صعدنا بالطائرة أعلى؛ كلما صغُرت واختفت.. فلا تكاد المنازل أن تكون نقطة، ثم تنقلب الأحياء نقطة، والحدائق والناطحات، إلى أن تصير المدينة كلها لا شيء.

فكيف بأحزاننا وهمومنا؟ هل حقًّا تستحق الحياة أن تأخذ من قلوبنا كل هذه المشاعر التي تهدمنا؟

ما أكثر ما كنا نسمع أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولكنني الآن فقط وعيت ذلك الحديث.

إذا كان المنظور من طائرة يُعطي الدنيا صِغرًا وضئالة وحقارة.. فكيف بمنظور الإله الكبير الواسع؟

أخذتُ من وقتها عهدًا على نفسي؛ أن لا أعطي شعورًا فوق حجمه، بل أضع كل شيء في مكانه الصحيح..

كل شيء وكل شخصٍ أيضًا..

كل أمر تعطيه حجمًا أكبر سيغدو أكبر فعلًا؛ ثم لن يلبث أن يغطي على تكبيرك لإلهك، لآخرتك، لهدفك ومهمّتك.

منذ اللحظة الأولى التي تقوم فيها الساعة.. لن يبقى لأيّ شيء همٌّ في قلوبنا، إلا عملنا وما سنجنيه.

حتى الأم ستنسى ضناها.. بل ستفديه، فهل في الدنيا أحرص من الأم على طفلها؟

انظر من الآن بعين البصيرة؛ لتعطي كل شيءٍ حجمه.. لا تحزن على دُنيا، لا تحزن على فقد، لا تحزن على تغيير..

ولا تحزن من تجريح.

تناسى واستمر.. فما دمت ترتفع إلى الله بأجورك وأعمالك؛ فهذا هو المهم.

هذا هو الكبير حقًا.

الأحد، 24 نوفمبر 2024

الإنسانُ كائنٌ مُتعلِّق

مهما بلغت من "الاكتفاء" و"حب الذات" كما يقولون لا تنسى أنك كائِنٌ مُتعلِّق.. والأمر يرجع إليك فيما تتعلق به.. مال؟ عيال؟ زوج؟ صديق؟ وفي هذه الحالة كن متيقنًا أنك ستتألم بما تتعلق به كائنًا من كان! لأنها أمور متغيره بطبيعة الدنيا..

ولكن يبقى هناك تعلُّقٌ وحيد لا يؤلمنا ابدًا.. بل يقوِّينا ويرينا من نعيم الدنيا عجائبه.. ألا وهو: التعلق بمن أوجدنا أصلا، الذي جعل سبب خلقنا حبُّه ونيل رضاه سبحانه 💕

تذكَّر دائمًا؛ لا يمكنك أن تُلغي التعلق من حياتك، ولكن يمكنك الاختيار "في من؟" تتعلق، فأحسن الاختيار ✨

الاثنين، 9 سبتمبر 2024

لا بأس عليك (رسالة طبطبة)

لا بأس عليك يا صديقي.. لا بأس.

يتغيّر العالم، لا شيء ثابت، هذه سنة الكون!

علي، وعليك، وعلى العالم أجمع..

لسنا سوى كائنات ضعيفة تتقوى بالله لتُجابِه هذا العالم السُّفلي..

لأجل أن تصعد تاليًا إلى الأعلى حيث السعادة الأبدية!

لسنا هنا إلا لنتعايش ونصبر.. ونستمر ونحاول.. ونتصالح مع المتغيرات.. ونسعى لنكون أقوى.. وأفضل.

ليست الحياة مكانًا للرغد، ولا للشعور الثابت المستقر، ولا هي عالمٌ وردي.. ولا أسودٌ أيضًا!

يحرمنا الله -الرحيم العالم بنا- من أشياء.. ليعطينا أشياء تُشبِهنا أكثر..

وربما تكون قسوة الحرمان سبيل إجابة دعواتنا ونحن لا نشعر.

ثق بالله يا صديقي.. لا تحزن من شيءٍ تغير.. فلا أنا، ولا أنت، ولا أيُّ كائنٍ في العالم مهما عَلَت منزلته محصّنٌ من تغيُّر الحال!

قالوا: "دوام الحال من المُحال"..

هذه هي الدنيا.. ونحنُ علينا أن نتقبل ونتعايش.. ونتطلّع للأعلى.

هذه رسالتي لك يا صديقي، لتعلم أنك لست وحدك، وأننا نمرّ بما تمرّ فيه من مشاعر.. وربما أكثر.

وتذكر لتَسعد: نحنُ المسلمون بجسدٍ واحد.. حينما ندعو لأنفسنا ندعو لكلّنا..

سندعو لك يا صديقي.. فأرجوك، لا تحزن 🖤

الثلاثاء، 4 يونيو 2024

معضلة تعدد الأهداف.. وتحقيق اللاشيء!

مرّ عامٌ طويل حتى أدركت هذه الحقيقة، وأشعر الآن أنني مسؤولة عن أن أفيدكم بما توصلت إليه.

تعددت أهدافي.. فرسمتُ ربما أربعة أو خمسة أهداف لهذه السنة، والنتيجة؟ قاربت السنة على الانقضاء.. والصدمة.. أنني لم أنجز أيًّا منها.

فلماذا؟؟

الإجابة التي توصلت إليها بسيطة جدًّا.. ويُعبّر عنها بكلمة واحدة، ألا وهي: (التشتت).

لم أستطع التركيز في أمرٍ واحد، وبالتالي لم أستطع الإنجاز مُطلقًا! لم أربط عقلي ووجداني بشيءٍ واحد، أعطيه اهتمامي ومسؤوليتي ورعايتي، بل تشتت ذهني بين هذا وذاك.. فتراكمت كلها واستحال تحقيقها.

ماذا لو أنني أمسكت بهدفٍ واحد، جعلته نصب عينيّ لشهرٍ إلى ثلاثة أشهر، وسلّمته عقلي وتفكيري ووقتي؟ لأنجزت في عامي الواحد جميع الأهداف المتراكمة! ولكن هذا ليس محلًّا للندم، وإنما لتحقيق الوعي وتصحيح المسار.

وليس هذا مقتصرًا على إنجاز الأهداف فقط، بل وحتى قراءة الكتب! وإكمال الدورات، والبرامج التطويرية أو الدينية المفيدة، الخ... استفتحتُ السنة ولدي حوالي 20 كتابًا بدأت في قرائته، فأخذت أقرا هنا وهنا، وأنسى هذا وأترك هذا ولا يعجبني هذا.. إلى أن وجدت أنني أنهيت -طوال السنة- قراءة 4 كتب فقط! وبالمقابل.. فالكتب التي بدأتها ولم أكملها -أو نسيتها أصلًا- أضعاف هذا العدد.

وزاد شتاتي حين اشتريت جهاز (الكندل) فأصبحت أحمّل عليه عشرات الكتب ولا أقرأ منها إلا النزر اليسير.. أصبح هذا الأمر يرهقني، وأفتقد معه لذة الشغف والاستيقاظ بلهفةٍ ليومي الجديد، والشعور بالشوق والمتعة، فلا كتاب واحدًا أعيش معه وأنتظر لحظات فراغي بلا صبر لأقرأه، ولا برنامجًا أتأثر بمذيعه أو أستفيد منه بالشكل الكامل ويكون قدوة لأيامي تلك، ولا دورة يدق قلبي عندما أجد متّسعًا من الوقت حتى أستمع إليها وبيدي ورقة وقلم جاهزَين مثلي! ولا كتابًا مُعيّنًا -أو رواية- أعتزم تأليفها وانتظر بحماسٍ وقت كتابتي لها مع ارتشاف قهوتي المفضلة، بل أجد آلاف ملفات الوورد التي تنتظر من أناملي وضع اللمسات الأخيرة عليها إو إعطائها حقها؛ ولكنني أجد التشتت يحول بيني وبينها فأتركها كلها.

(تنهيدة طويلة) المهم، ولحسن الحظ! يمككني القول بأنني أخيرًا قد وضعت حدًّا لكل هذه المعوقات، وألزمت نفسي بما أراه مناسبًا لراحة ذهني وزيادة إنتاجي:

1- اختيار (كتاب، أو دورة، أو برنامج) وإتمامه قبل التنقل إلى غيره، وربما بيعه أو التصدق به إذا لم أنوِ إكماله، ولا أجعله في الجوار حتى لا أشعر بثقل إكماله يجثم على صدري.

2- اختيار هدف واحد أعمل عليه بكثافة وشغف، من شهر إلى 3 أشهر -حسب حجم الهدف- والخروج في السنة بـ3 أهداف على الأقل!

3- تحميل كتب محدودة في الكندل -الكتب التي أعتزم قرائتها حقًّا- والتركيز على كتاب واحد حتى إنهائه، أو حذفه إذا لم أعتزم العودة إليه والانتقال لغيره.

4- عدم مراكمة المقاطع والدورات في (المشاهدة لاحقًا) وحضورها كلها دفعة واحدة، بل أعتزم في الشهر أو الأسبوع مثلًا أن أستكمل دورةً واحدة أو برنامجًا معيًّنًا أستفيد منه بقدر ما أستطيع وأطبّق مخرجاته برويّة قبل أن أنتقل إلى غيره.

هذه الطريقة ستجعلني -بإذن الله- أعيش مع كل شيءٍ بكامل شعوري ولهفتي وشغفي، وأعطي كل شيءٍ حقه، وأستفيد منه كامل الإفادة، وفي الوقت ذاته.. أنجز أكثر، وأستمتع أكثر!

والحقيقة أن هذا هو حال القدماء، فلم يكن عصرهم عصر وفرة مثلما نعيش الآن.. بل إذا وقع في يد أحدهم كتابًا تذوقه حقّ تذوقه، واستفاد منه بكل وسيلة، واذا وضع هدفًا نصب عينيه، عاش له ومعه حتى ينجزه، فكانوا في كل النواحي يركزون على شيءٍ واحد؛ ولهذا نجد إنجازاتهم كثيرة، ومخرجاتهم عظيمة، ونحن الآن نستطيع -بإذن الله- أن نفعل مثلهم ونحذو حذوهم، لكننا نحتاج لتحقيق ذلك إلى ضبط النفس، والالتزام بما اعتزمنا، وقبل كل ذلك، التوكل على الله لتحقيق مرادنا.

السبت، 15 أبريل 2023

أنتم مُلك ما تسمعون وما تشاهدون وما تقرأون

لن تتصوّر مدى العمق الهائل لتأثير حواسّك على عقلك وقلبك وبالتالي تصرفاتك وشخصيّتك.

حين أقول "أنت مُلك ما تسمع" فأنا حقًّا أعني ذلك..

نوعية المؤثرات الخارجية تتفاوت في حجم تأثيرها، أتحداك مثلًا إن لم تشاهد في حياتك فيلمًا أثّر فيك تأثيرًا هائلًا.. إما أن يكون قد ألهمك بشدة للعبة مثلًا (كالكاراتيه أو كرة القدم) أو للكتابة أو للسفر حول العالم إلخ.. وإن كنت قارئًا أتحداك إن لم يؤثر فيك كتاب تأثيرًا ملموسًا أو غيّر في معتقداتك وأفكارك وأساليبك! بل وحتى المسموعات، الأغاني تؤثر.. القصص الصوتية والبودكاست وهلمّ جرًّا.. كل ذلك يُحدث تأثيرًا ولو بعد حين.. يتفاوت في القوة؛ لكنه بالنهاية يتمكن منك.

فكرة النسوية الآن مثلًا.. مالذي جعلها متغلغلة في مجتمعنا بالرغم من أنها لم تبدأ هنا ولا هي من طبيعتنا أو معتقداتنا أصلًا؟ كل هذا التأثير الذي يحدث لهذه الفكرة هو بسبب كثرة "المؤثرات الخارجية" من مقاطع وأفلام وصوتيات ومقالات وكتب تزرع هذا الخَبث في العقول والقلوب! كلما شاهدتِ فيلمًا يؤيد هذه القضية توغلت فيكِ أكثر.. ثم تقرأين لـ"نسوية قبيحة" كتابًا أو مقالًا أو تسمعين تسجيلًا صوتيًّا أو أو... فتلاحظين مع مرور الوقت أنك بدأت تتقبلين الفكرة.. ثم والعياذ بالله؛ تؤيدينها وربما تحاربين من أجلها! ولا تلومي أحدًا.. فأنتِ من ألقيتِ بنفسك بهذا الشَّرَك*.

وبالمقابل نأتي لفكرة الإيمان والالتزام والتديّن.. هل تعتقد أو تعتقدين أن إسراف وقتك في متابعة الأفلام والمسلسلات الأجنبية التي تدعو للتحرر وملذات الحياة بلا قيود.. وبالاستماع إلى الموسيقى والأغاني المليئة بالمشاعر المحرّمة والبعد عن الله والعشق الممنوع الخ.. وجلسات السهر المليئة بالسموم والكلام الخاطئ ومخالطة رفاق السوء أو رفاق "الدنيا" الذين لا يهمهم سوى الشيشة والأغاني والورق وحرية إظهار العورات.. أو الإكثار من الخروج إلى الأماكن العامة الجالبة للفتنة بين النساء الكاشفات المائلات المميلات والرجال أصحاب الشهوات القبيحة والنظرات الدنيئة...

هل تعتقد بأن كل هذا.. سيساعدك أصلًا على أن تحب دينك أو تفكّر في زيادة إيمانك؟ أنت تتوغل في جحيم وأنت لا تُدرك.. تظن أن متعتك الحسية ولهوك المؤقت سيجعلك في حرية وسعادة ومشاعر لانهائية من النعيم وسرور القلب.. لكنك بعيدٌ كل البعد.. كل البعد..! عن السعادة.

ومن الطبيعي جدًّا أن تقرأ كلامي هذا وتجده مبالغًا، وربما تقول (الله غفور رحيم) وأنت منغمسٌ في هول صنائعك دون خوف من (الله شديد العقاب)! كل هذا لأنك في الحقيقة متوغّلٌ في المؤثرات التي ذكرتُها دون أن تدرك حجم ما صنعت بك.. ولن تدرك ولن تفهم إلا حين تجرّب أن تغيّر المسار قليلًا.. تتزوّد من قراءة القرآن والسيرة النبوية والكتب الدينية ولو البسيطة، تشاهد محاضرات أو مقاطع دينية أو أفلام لقصص الصالحين، تخالط المتديّنين أو من "يخافون الله" حيث تجدهم في المساجد وفي دور التحفيظ.. جاهد نفسك قليلًا.. كن فضوليًّا لطريق السعادة الحقيقة! حينها ستجد قلبك شيئًا فشيئًا يميل إلى الفطرة.. يتعطّش أكثر للاقتراب.. يبحث بشكلٍ أعمق، وحين يرى الطمأنينة في هذا الطريق يتوقف.. ويبكي! أين أنا عن هذا منذ زمن طويل؟ أين أن عن هذه اللذة الحقيقية.

حين تشعر بأن فطرتك قد تغيرت.. وأنك تسير في طريقٍ لا يريحك.. وأنك تريد الرجوع لكنك لا تستطيع.. تشعر بأن هناك خطبًا ما.. لكنك لا تدري ما هو! حينها راجع نفسك.. ماذا تسمع؟ ماذا تشاهد؟ ماذا تقرأ؟ وابدأ من هنا.

انتبه لما تصبّه في هذه الحواس.. كن منتقيًا بحرص.. لأنك أنت من سيكون مسؤولًا عمّا سيؤول إليه حالك بعدها.


* أي: الفخ.